
بقلم: جعفر محمد العيد
ثمة أهمية مضاعفة للتعداد السكاني المعتزم اجرائه في السعودية خلال أيام ومن الضروري أن ترافقه حملة توعية توضح للمواطنين جدوى الأسئلة والاجابة عليها.
ميدل ايست اونلاين
تنتظر بلادنا العزيزة المملكة العربية السعودية، أياما جميلة وحافلة في الفترة مابين 13/5 – 1/6/ 1431هـ (الموافق 27/4 – 15/5/2010م ) وهي الأيام المحددة للتعداد السكاني والإحصائي.
الأهمية الكبرى للتعداد تكمن في الدور الذي تلعبه الأرقام والاحصاءات في رسم السياسات التنموية للبلدان، والتي ولا شك تلقي بظلالها على المشاريع الخدمية وتقسيم الثروات فضلا عن الجوانب التربوية المباشرة وغير المباشرة، وكل ذلك يعود بالإيجاب على المواطن بالدرجة الأولى، ومع أن الفارق أصبح كبيرا بين أول تجربة احصائية لسكان المملكة العربية السعودية في العام 1932 ومن بعدها في العام 1962، وبعدها في العام 1374هـ، اذ تطورت الطرق والأساليب، وزاد الوعي والتعليم بين كل من السكان والقائمين على العملية الحيوية للتعداد.. فبينما اعتمدت الحكومة في الاحصاءات الأولى على مجموعة من موظفي وزارة المعارف في ذلك الوقت.. تعتمد العملية الاحصائية اليوم على كادر المعلمين الذين يمتازون بالخبرة والدراية وتحمل المسؤولية الوطنية.
لكن هذا لا يعني أنهم لا يواجهون عقبات ومشكلات مع شرائح المجتمع خصوصا تلك المتعلقة ببعض الأسئلة التي لا يود بعض المواطنين الإجابة عليها، ليس لشيء سوى أن البعض ما يزال يعتبرها من المحرمات، أو الدفاعات الشخصية كالسؤال عن البنات وشؤونهم، ناهيك عما تخبئه استمارة التعداد من أسئلة لا يعلمها إلا المعنيون بالتخصص والتخطيط، فقد تتضمن أسئلة غير متوقعة عن العرق والدين والمذهب.. كما حصل في بعض الدول الأوروبية، إذا افترضنا ذلك جدلا فكيف سيتعامل المواطن معها ومع غيرها من الأسئلة في ظل الصمت المطبق عن هذه العملية، فماذا ستكون ردة الفعل فيما لو تطرق المسؤول عن التعداد لسؤال عن عدد البنات المطلقات في المنزل؟
أستطيع القول بأن عمليتي الإحصاء السابقتين لم تكن بالمستوى الإحصائي والعملي المطلوبين، فلم تكن العملية الأولى احصاء، بقدر ما كانت إعطاء عن تقدير رسمي لعدد السكان في ذلك الوقت حيث (قدر عدد السكان فيها في ذلك الوقت 5.2 مليون نسمة، بينما توصل إحصاء العام 1962م الى أن عدد السكان لا يزيد عن 3.2 مليون نسمة أي بتناقص مليونين من عدد السكان الأمر الذي دعا المسئولين الى التشكيك في صحة هذه الأرقام، فليس من المعقول أن يتناقص عدد السكان خلال ثلاثين عاما مليونين نسمة، علما بأن هذه الفترة ساد فيها الهدوء والأمن والاستقرار، وأخذ يرتفع مستوى الأمن الصحي (كتاب "سكان المملكة العربية السعودية"، محمد الرويثي، ص 34 - ط2 1979م).
في الواقع لم تكن عملية تعداد السكان في العام 1962 بالأمر السهل، وقد سجلت حالات ضعف عديدة مما اضطر الحكومة الى الغاء نتائجها بالكامل، ومن الأسباب التي شابت العملية نظرة السكان المريبة لعملية الاحصاء، والتي وحسب كتاب الرويثي (ص 26) بأن السكان كان لديهم تخوف من الجندية أو الحربية كإحدى الرواسب التاريخية ركزتها الحكومات السابقة التي حكمت الجزيرة العربية.
ان اشكالية من هذا النوع يمكن أن تحدث في أي بلد من البلدان تتسم بنفس السمات الجغرافية للمملكة العربية السعودية .. ذلك راجع الى التركيبة البشرية بشكل عام، فثمة مخاوف عديدة إزاء الحصول على المعلومة الصحيحة من المواطنين أنفسهم، إذ يعود الأمر بالدرجة الأولى إلى أن عامل التوعية الإعلامية والتربوية تجاه عمليات الإحصاء لم تكن بالقدر الكافي، فلا وجه للغرابة إذا لم يحظَ هذا التعداد أيضا إلى أرقام دقيقة تتوافق مع معايير الإحصاء العلمي، وثمة مخاطر أخرى يمكن أن تواجه عملية الاحصاء لا مجال لذكرها، لكننا يمكن أن نتلافى مثل هذه السلبيات بزيادة جرعة العمل الإعلامي المصاحب لعملية التعداد السكاني سواء على صعيد الصحف والمجلات المقروءة، كذلك بالإمكان إدخال البيئة التعليمية والاجتماعية في المضمون ذاته، لأجل إنجاح عملية التعداد السكاني لهذا العام 2010م.
اليوم وفي ظل الحملة الجديدة للتعداد السكاني فإن القائمين عليها قد استفادوا من الأخطاء التي حدثت في التعدادات السابقة، لكننا الأمر لا يخلوا من الأخطاء، فما زال الإعلام الرسمي منه والشعبي لم يأخذ حيزه التوعوي فيما يتعلق بالشأن نفسه. والإعلام في الواقع يمكن أن يقود العملية برمتها، ويبعدها عن مهاو كثيرة، ويمكن أن يوجه المواطنيين الى طريقة معاملة المشرفين والعدادين.. ومن غير هذه الطريقة فستزداد معاناة العدادين في توضيح وتفهيم المواطنين جدوى الأسئلة والإجابة عليها.