
بقلم : ذاكر آل حبيل
باحث حقوقي سعودي
المتابع لما يجري في مجالنا الوطني من تصريحات تحريضية تستهدف قطاع واسع من المواطنين، وسواء كانوا أفراداً أو جماعات، بحسب مذاهبهم أو معتقداتهم أو أرائهم الشخصية والفكرية، وغيرها من مبررات صنوف الاختلاف التي لا تعطي الحق لأي كان، فرداً أو جماعة أو جهة مهما كان مسماها، وتحت أي ذريعة، على أن تعتدي أو تتطاول قليلاً أو كثيراً على أي فرد مواطن ، في انتهاك لحقه الوطني، وشخصيته المعتبرة قانونياً، فما بالك لو كان الاعتداء يمس مجموعة من المواطنين، ويكون ذلك الاعتداء فيه الكثير من " العنصرية " التي تتلبس بلباس الدين قناعاً لأقوالها وأفعالها الموغلة في الكراهية للآخر، وعدم الاعتراف بحقوقه الطبيعية التي يكفلها له مجرد وجوده في الحياة، حتى لو كان على غير دين أو ملة، وهذا ما تقول به شرائع الديانات السماوية، فضلاً عن حمايته التي تكفلها له القوانين والأنظمة الوطنية والإقليمية والدولية، وهذا أحد أهم مبررات وجود نظام سلطة الدولة في كل تاريخها الإنساني المديد.
وإذا كان الأمر على غير ذلك، في تمادي أي كان من الأفراد أو الجهات التي تستشعر قوتها وسلطتها، ذاتياً، أو بحسب الدعم التي تتلقاه، في استهداف المغايرين لها، والمختلفين عنها ، ممن يظنون بضرورة إخضاعهم أو إقصائهم و تهميشهم، لكي لا تقوم لهم قائمة، ولا ينعمون بحقوقهم المكفولة لهم شرعاً ونظاماً، وبالتالي لا ينتفع ولا ينعم بحيز الوطن وخيراته إلا هم ومن لف لفهم، وحتى يكون التجاوز والظلم وممارسة الاستبداد والتسلط شعارهم وسلكوهم وثوبهم الذي يرفلون فيه، ولأن حدوث ذلك التجاوز يشي بضعف سلطة القانون والنظام ، الذي لو تمادى المنتفعون من ذلك الضعف لكان الأمر إعلاءً لقيمة الانفلات وعدم التوازن والنظام، والذي يكون فيه قدرُ كبير من الخلل والسقوط نحو الهاوية.
ولعلنا لا نضيف جديداً في الدعوة إلى ضرورة النظر بجدية إلى فوضى التصريحات المحرضة على الكراهية واستهداف والمغايرين من مواطني أي بلد بالقدح والذم، والسباب والشتيمة، والأحكام المجانية المقيتة، وضرورة سن مزيد من القوانين التجريمية الرادعة، والضابطة لإيقاع وطن واحد للجميع، والذي مصلحته فوق الجميع، ومعاقبة أي أياً كان، في حالة التجني والاعتداء، على أي فرد مواطن أو جماعة من المواطنين، والحفاظ على هيبة السلطة والنظام وتسيد القانون.
أن السلطة التنفيذية في أي بلد ، وبحسب التركيبة القانونية المعاصرة لنظام الدولة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ملزمة وبحسب قوانينها وأنظمتها بتوفير الحماية القانونية الوطنية لمواطنيها جميعهم دون تمييز، ودون فوارق خاصة أو عامة ، من أي اعتداء أو انتهاك يتعرضون له، وسواءً كان ذلك الاعتداء من داخلياً، وهو ما يجب أن يعلمه أي مواطن في أي بلد عضو في الأمم المتحدة " بأن أول درجات نظم الحماية القانونية حسب القانون الدولي لحقوق الإنسان، هو نظام الحماية الوطنية " والذي يجب أن يلجأ فيه المواطن للجهات القانونية والحقوقية لإنصافه في حقه المنتهك، فإذا لم تنصفه تلك الجهات، وتخاذلت لسبب أو لآخر عن ذلك، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان يقر له بضرورة استخدام الخطوة الثانية وهو الرجوع لنظام الحماية القانونية الإقليمي أن وجد، وإلا فله أن يذهب مباشرة بالشكوى إلى الجهات الدولية الفاعلة بعد أن يستنفذ كافة الطعون القانونية الوطنية والإقليمية.
لقد صار العالم في وضع مختلف جداً بالنسبة لحماية حقوق الإنسان، فمنذ منتصف القرن الماضي وبعد إنشاء الأمم المتحدة وميثاقها في عام 1945م، والمجتمع الدولي يسعى بكل جد وكد على أن يسود القانون و النظام العالم ، لتحقيق مبدأي الأمن و والسلم الدوليين، وعلينا نحن المواطنين في كل مكان في هذا العالم أن نجتهد ونناضل في سبيل أعلاء تلك القيم الإنسانية الرفيعة والنبيلة، خصوصاً أولئك المتضررين ممن مسهم أي نوع من أنواع الانتهاك، في سبيل تفعيل مستوى أفضل لنظم الحماية القانونية الثلاث، الوطنية والإقليمية والدولية.
فبدلاً من تلك السجالات وردات الفعل الغاضبة، والتي لا نقلل من قيمتها ابتداءً ، ولأن الإنسان مبجول على نظام الحماية الذاتية من خلال ( القوة الغضبية ) والتي ترفض الظلم على الذات، حول ما يجري من اعتداءات وانتهاكات متكررة، قولية أو فعلية، والتي تنتقص من حقوقنا الإنسانية والوطنية، علينا أن نكون أكثر قدرة من خلال العمل الجدي على إلزام الجهات المعنية بتسيد القانون، خصوصاً الضغط في إلزامها بالعمل بما جاءت به الأنظمة المعمول بها داخل المجال الوطني، فضلاً عن ضرورة تذكير السلطة التنفيذية في بلداننا بضرورة التزامها بما وقعت عليه من اتفاقيات ومواثيق دولية. وإلا فعليها أن تعطي الحق لمواطنيها بالسير قدماً على طلب الحماية القانونية من قبل النظامين الإقليمي والدولي.
أننا بحاجة ماسة كدول وكمواطنين للنظر بجدية في مسألة الحفاظ على سيادة القانون والنظام، وعدم الصمت والسكوت، بدعوى الحياد أو الانحياز لطرف على حساب طرف وكأننا نؤكد حقه في التطاول على الآخرين، والانتقاص من حقوقهم المشروعة، كما أننا يجب أن ننأى بأنفسنا كمواطنين عن الصراعات السياسية القائمة بين الدول، فيما يجب على دولنا أن لا تعرض إيٍ من مواطنيها لأي امتهان قائم على حسابات سياسية معيبة ، بحسب متعلقاته الدينة أو المذهبية أو الفكرية أو غير ذلك من الخيارات الإنسانية ، لأن في ذلك الكثير من اللعب بأمن واستقرار الوطن والسلم الأهلي في أرجائه.